مجزرة إشتبرق: توثيق كامل لأحداث 2015 وما تلاها
إشتبرق (إسطبرق رسمياً) ناحية سورية في محافظة إدلب، تقع على بُعد 3 كيلومترات جنوب غرب مدينة جسر الشغور، على منحدر جبلي أخضر يطل على سهل الغاب. اشتُهرت بينابيعها الوفيرة وطبيعتها الخلابة، وكانت وجهة سياحية معروفة في المنطقة. في الخامس والعشرين من نيسان 2015، تحوّلت هذه الناحية الهادئة إلى مسرح لمجزرة مروّعة راح ضحيتها مئات المدنيين بين شهيد ومخطوف ومهجَّر.
هذا التقرير توثيق شامل لأحداث تلك المجزرة استناداً إلى شهادة فداء إبراهيم فخرو، أحد أبناء الناحية الذي نسّق احتفالية الذكرى الخامسة، وكان والده المرحوم إبراهيم حسن فخرو رئيساً للمجلس البلدي في إشتبرق.

الموقع الجغرافي
تقع ناحية إسطبرق على منحدر جبلي أخضر يمتد من سلسلة جبال الساحل الشرقية المطلّة على سهل الغاب، على بُعد 55 كيلومتراً من مركز محافظة إدلب، وعلى بُعد 3 كيلومترات جنوب غرب مدينة جسر الشغور. تتميز بموقعها السياحي الذي يتقاطع فيه خط السكة الحديدية القديم من اللاذقية إلى حلب، كما يمر من شرق بساتينها الطريق الرئيسي المتجه نحو الغاب ودمشق.
الطبيعة والموارد
تزخر الناحية بعشرات الينابيع المنبثقة من بين الصخور الكلسية، أبرزها:
عين الكبيرة: من أوفر الينابيع، تسقي أكثر من 1500 دونم من الأراضي الزراعية دون أي تكلفة لضخ المياه، وتصب في نهر العاصي.
عين القصاب: تسقي نحو 500 دونم، وأُقيمت عندها طاحونة قمح تديرها قوة الماء.
عين الشيارة: يتدفق منها شلال طبيعي من أعلى الجبل مع كهف طبيعي عند أسفله.
عين التينة: كانت تزوّد مدينة جسر الشغور بمياه الشرب.
إلى جانب ينابيع السماقة والطاحون ودلول وكارو والصفصافة والريحانية.
اشتُهرت الناحية بزراعة الزيتون والرمان والتين والمشمش والعنب والحبوب والخضروات، وكانت وجهة سياحية صيفية مصنّفة رسمياً على الخارطة السياحية السورية.
السكان
بلغ عدد سكان الناحية نحو 2500 نسمة عام 2000، وهم من الطائفة العلوية، عُرفوا بتمسكهم بأرضهم وانتمائهم الوطني وعلاقاتهم الطيبة مع سائر مكونات المجتمع المجاور في جسر الشغور. وقد تراجع عددهم إلى نحو 1500 نسمة قُبيل أحداث 2015 جراء موجات تهجير سابقة منذ عام 2011.
التسمية والتاريخ
يعود اسم "إسطبرق" إلى القرن الثاني عشر الميلادي، حين أقام الأمير والشاعر الصوفي المكزون السنجاري في الناحية عام 1187 م وأُعجب بخضرتها وجمالها، فأطلق عليها اسم "إسطبرق" المأخوذ من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾، في إشارة إلى خضرتها الكثيفة. وفي زمن الحكم العثماني تحوّل النطق الشعبي إلى "إشتبرق"، غير أن التسمية الرسمية "إسطبرق" لا تزال مستخدمة في الوثائق الرسمية حتى اليوم.
البنية التحتية والمرافق
ضمت الناحية قبل الأحداث:
مدرسة ابتدائية باسم الشهيد نادر جراد (منذ السبعينيات)
مدرسة إعدادية باسم الشهيد يونس فخرو (منذ الثمانينيات)
مركز صحي وجمعية فلاحية
محطة قطار الركاب
مسجد الحسين بن علي
أضرحة دينية ومقامات تاريخية
السياق العام قبل المجزرة
أحداث حزيران 2011 — مجزرة وحدة الأمن العسكري
قبل أربع سنوات من مجزرة 2015، تعرّضت وحدة الأمن العسكري في جسر الشغور لهجوم مسلح في 5 و6 حزيران 2011، استمر 36 ساعة متواصلة. حوصر أفراد الوحدة من كل الجهات واستُهدفوا ببراميل متفجرة دُفعت بجرّافة نحو جدران المبنى، ما أسفر عن استشهاد 120 جندياً من بينهم أبناء ناحية إشتبرق. بعد المجزرة جُرّدت جثث الشهداء وأُلقيت في نهر العاصي.
https://www.youtube.com/watch?v=y_86S4ogjs4&rco=1
كان من بين الضحايا الملازم فخر إبراهيم فخرو، ابن الناحية المولود عام 1976، وهو أب لثلاثة أطفال. يصف أخوه فداء تلك الأحداث بأنها كانت أول كشف حقيقي عن طبيعة الجماعات المسلحة التي ادّعت الطابع السلمي.
موجة التهجير 2011-2014
بين عامَي 2011 و2014، تعرّضت الناحية لموجات متكررة من التهجير نتيجة الضغط المتصاعد للجماعات المسلحة، ما أدى إلى تراجع عدد سكانها من 2500 إلى نحو 1500 نسمة ممن صمدوا وأبَوا المغادرة.
أحداث المجزرة (نيسان 2015)
اليوم الأول — 22 نيسان 2015
في الساعة السادسة صباحاً من يوم الأربعاء 22 نيسان 2015، بدأت الفصائل المسلحة التابعة لتحالف "جيش الفتح" هجوماً على مدينة جسر الشغور وناحية إشتبرق، بقصف مكثف بالهاون وأسطوانات الغاز المتفجرة، مستهدفةً نقاط الجيش السوري والمدنيين في آنٍ واحد.
يصف فداء فخرو تلك اللحظات:
"انتشرنا على الجبهات بالقرب من مواقع وجود تلك العصابات وشاركنا في التصدي لهم. وأمّنّا النساء والأطفال في كهف جبلي يُسمى كهف عين الكبيرة."
الذروة — 25 نيسان 2015
في الساعة السابعة صباحاً من يوم السبت 25 نيسان، بلغت الأحداث ذروتها بهجوم شامل على الناحية. كانت الفصائل المنفّذة تنتمي إلى تحالف "جيش الفتح" بقيادة جبهة النصرة (الذراع السورية لتنظيم القاعدة) وأحرار الشام.
شهادات من الميدان
وثّق فداء فخرو عدداً من الحالات الفردية التي تعكس حجم المأساة:
الطفلة مايا: قُتلت وهي في أحضان أمها.
أبو علي شاقر: شيخ مسنّ رفض مغادرة منزله فجُرح وأُسر، وأُسرت زوجته الثمانينية معه.
زاهر جراد: أب لست بنات حاول إنقاذ عائلته بين البساتين، فأُسر وذُبح، وأُسرت عائلته كاملة.
مختار القرية أبو يونس: هرع بسيارته لإنقاذ 60 شخصاً معظمهم نساء وأطفال وكبار سن، فاستُشهد في الطريق وأُسر جميع من كانوا معه.
الخسائر والنتائج
الحصيلة البشرية
الفئة العدد الشهداء 200 شخص المخطوفون والمفقودون (ابتداءً) 165 شخصاً المُفرَج عنهم (على 5 مراحل) 110 أشخاص القتلى من المخطوفين 38 شخصاً لا يزالون في الأسر حتى 2020 17 شخصاً
التهجير والدمار
هُجِّرت مئات العائلات قسراً، ولجأ معظمها إلى محافظة اللاذقية وريفها.
دُمِّرت المنازل السكنية والمدارس والمرافق الصحية والخدمية.
تعرّضت الأضرحة الدينية والمقامات التاريخية للتدمير الممنهج.
فقد السكان مصادر رزقهم وأراضيهم الزراعية.
مسار الإفراج عن المخطوفين
تواصل ذوو المخطوفين مع الجهات الرسمية السورية على مدى سنوات، وأُفرج عن المخطوفين على خمس مراحل، كانت أبرزها عملية التبادل التي أجرتها الحكومة السورية مع مجموعات مسلحة في ريف دمشق الجنوبي، والمكتملة في 1 أيار 2018، وشملت 42 شخصاً من بينهم أطفال وربّات منازل ومعلمون وعمال.
أسماء المُفرَج عنهم في دفعة أيار 2018
ماهر يونس فخرو — طفل، مواليد 2008
وردة طالب هرو — ربة منزل، مواليد 1988
أسوام حسن فخرو — مواليد 1957
تاجاه حسن فخرو — ربة منزل، مواليد 1957
نادرة سليمان فخرو — عاملة، مواليد 1962
أسماء نصر فخرو — طالبة، مواليد 2006
محمود أيمن فخرو — طفل، مواليد 2015
زين أيمن فخرو — طفل، مواليد 2011
شروق حسن فخرو — طالبة، مواليد 2001
هدى أحمد فخرو — ربة منزل، مواليد 1958
آية نصر فخرو — طفلة، مواليد 2007
زينب رجب حمود — ربة منزل، مواليد 1985
رحمة محمد أبو شاقر — ربة منزل، مواليد 1930
فهيمة زيدان أبو شاقر — ربة منزل، مواليد 1955
ميس رجب حمود — معلمة، مواليد 1992
رجب مصطفى حمود — طفل، مواليد 2013
نيرمين مؤيد الحايك — ربة منزل، مواليد 1995
بدرا محمود غالية — ربة منزل، مواليد 1933
جودت نوري جراد — معلم متقاعد، مواليد 1949
ليندا جودت جراد — ربة منزل، مواليد 1982
غفران علي جراد — طفلة، مواليد 2004
حميدة مصطفى دوبا — ربة منزل، مواليد 1960
أحمد أسامة جراد — طفل، مواليد 2010
آية علي جراد — طفلة، مواليد 2009
بيلسان علي جراد — طفلة، مواليد 2011
منذر منير خضيرة — عامل، مواليد 1969
هيا منذر خضيرة — ربة منزل
نسيبة منذر خضيرة — طالبة
نعيمة إسماعيل العبد — ربة منزل، مواليد 1972
سمر حسيب هرو — طفلة، مواليد 2015
علي عبد الكريم شلفون — معاق، مواليد 1974
وطفة عبد الكريم شلفون — مواليد 1950
وردة أحمد إبراهيم — عاملة، مواليد 1966
خلود قاسم مصري — ربة منزل، مواليد 1985
سيدرا أسامة جراد — طفلة، مواليد 2004
فاطمة أسامة جراد — طفلة، مواليد 2011
زينب أسامة جراد — طفلة، مواليد 2007
حنان قاسم مصري — ربة منزل، مواليد 1982
صباح جميل حمدو — ربة منزل، مواليد 1969
ملاك هيثم مصري — طفلة، مواليد 2007
نور الدين جرادة — موظف، مواليد 1969
قاصر أحمد العبد — عامل، مواليد 1968
الذكرى الخامسة — نيسان 2020
بمناسبة مرور خمس سنوات على المجزرة، نظّم فداء إبراهيم فخرو إحياءً للذكرى ووجّه رسالة رسمية إلى الرئاسة السورية عبر محافظ اللاذقية اللواء إبراهيم خضر السالم، يطالب فيها بالإفراج عن الـ17 مخطوفاً المتبقين، معظمهم من النساء والأطفال، المحتجزين في سجني حارم وإدلب.
وقّع الرسالة إلى جانب فداء فخرو كلٌّ من: واصل دوبا، وجودت جراد، ونديمة خضرو، ورندة دوبا، وغزوان عطوني، والعميد المتقاعد حسام إبراهيم، والنقيب المتقاعد سالم إبراهيم، والمحامي يوسف ديبو حمود.
تمثّل أحداث إشتبرق عام 2015 نموذجاً موثّقاً على ما تعرّضت له مجتمعات سورية كاملة من تهجير قسري وخطف وقتل على أساس طائفي خلال سنوات الحرب. وبعد خمس سنوات على المجزرة، لا يزال 17 شخصاً من أبناء الناحية في عداد المخطوفين، فيما يقيم معظم النازحين في اللاذقية منتظرين العودة إلى أرضهم وإعادة بناء ما دمّرته الحرب.
المصدر
aymennjawad